حديث صحافي لياسر عرفات لوكالة الانباء الفلسطينية (وفا) [1974/10/7]

2015-12-07


س1- كيف تقيم الوضع الراهن في الشرق الأوسط في أعقاب حرب تشرين الأول أكتوبر وفك الارتباط وبصورة خاصة من حيث انعكاسه على الفلسطينيين والقضية الفلسطينية؟

ج- بلا شك حرب أكتوبر تشرين الأول تعتبر نقطة انعطاف وهامة بالنسبة للأمة العربية وبالنسبة للشعب الفلسطيني أثبتت هذه الحرب أن هذا الجندي العربي قادر على استخدام الأسلحة المتطورة تكنولوجيا وقادر على إحراز النصر وتحرير الأرض التي انتزعت منه خاصة بعد هزيمة حزيران يونيو 1967 المريرة ولقد تركت هذه الحرب آثارا هامة على مختلف الاتجاهات والأطراف.

ولا بد أن نذكر هنا أن القوات الفلسطينية النظامية والفدائية قد ساهمت في هذه الحرب وما بعدها بعد هذه الحرب ظهرت آفاق حلول متعددة طرحت على الساحة الدولية والعربية والفلسطينية وجاء فك الارتباط على الجبهتين المصرية والسورية وانعقاد مؤتمر جنيف ليعطي أبعادا لهذه الصورة بالنسبة لبعض هذه الحلول ولكن حتى الآن لم تحاول الأطراف المتعددة التي وضعت يدها في هذه المعادلات في منطقة الشرق الأوسط لأنها حتى الآن لم تصب جوهر القضية ولا جوهر الصراع في المنطقة واعني بها القضية الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني التي دلت جميع المعادلات المطروحة في المنطقة انه لا يمكن تجاهل هذا الرقم الهام للمعادلة الأساسية في الشرق الأوسط وهو الرقم الفلسطيني.

لا زال العمل العسكري قائما بأشكال مختلفة بين الطغمة الإسرائيلية وبين قوات الثورة الفلسطينية وخاصة إثر التصعيد العسكري الذي حدث من خلال الغارات الوحشية البربرية على قواعد الفدائيين وعلى مخيمات المدنيين اللاجئين حيث ضرب حتى الآن سبعة مخيمات في لبنان من أصل مجموع 26 مخيما هذا بجانب ازدياد عمليات القمع والنسف والتدمير داخل الأرض المحتلة ضد الفلسطينيين ومنشآتهم وبيوتهم لا يمكن بأي حال من الأحوال التفكير في أي حل في المنطقة إذا كان هنالك تجاهل للشعب الفلسطيني خاصة وقد أثبتت الأحداث خلال 26 عاما ألا يمكن القفز عن هذا الموضوع الذي هو بؤرة الصدام الأساسية بالنسبة للمشكلة الفلسطينية .

استغربنا كثيرا أن يقيم الرئيس نيكسون أبناء المنطقة الشعب الفلسطيني بأنه حفنة من المرتزقة والمجرمين بالرغم من أن شعبنا الذي طرد من بلاده وأصبح أكثر من نصفه لاجئاً ومشرداً استطاع أن يتغلب على مأساة التشرد  وان يقاومها مقاومة عقلية وأصبح الشعب الفلسطيني لديه أعلى نسبة تعليم في المنطقة العربية وأعلى نسبة متخرجين بين شعوب الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل.

س2- لقد وصفتم قبل عام إسرائيل بأنها عدوة سكرى بنشوة النصر في حرب 1967 كيف تقيمون الوضع في إسرائيل اليوم؟ وإذا كان الوضع قد تغير فهل ثمة من فائدة قد تعود على الفلسطينيين من جراء ذلك التغيير؟

لقد أشارت إسرائيل بأنها قد تتفاوض أو تجلس مع منظمة التحرير الفلسطينية إذا ما اعترفت هذه بإسرائيل وتخلت عن العمل العسكري ولقد صرحت أنت بأن كلا من الشرطين غير مقبول هل ثمة مكان للتساهل؟ بالإضافة إلى ذلك لقد ذكرت منذ عام بأنك لا ترى في المستقبل غير الكفاح المسلح هل لا زلت مصرا على هذا التصريح أم انك ترى الآن اتجاها عاما نحو التفاوض؟ هل حدث أي تغيير في مفهومك للكفاح المسلح ما هو شعوركم تجاه القناعات القائلة بأن استمرار القتال سيزيد من التصلب الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية؟

ج- لا زالت إسرائيل تحاول أن تمثل نفس الدور الذي قامت به بعد انتصارها عام 1967 ولكن بصورة اخف مع تأكيدات لا زالت تتصاعد الآن وخاصة بعد مرور حوالي عشرة أشهر على حرب أكتوبر تشرين الأول 1973.

لا زالوا يتحدثون عن الحرب الخاطفة والحرب الخامسة متذرعين بحجج مختلفة وفي نفس الخط بسبب هذا الدعم غير المحدود الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة الأميركية والذي يدفعه المواطن الأميركي العادي لصالح أحلام التوسع الصهيوني لبناء ديمقراطيتهم المزعومة في المنطقة.

سمعنا بعد الحرب بعض الأصوات تتكلم عن الفلسطينيين لأول مرة إذا قارناها بتصريحات مئير قبل الحرب التي كانت تقول ليس هناك شعب اسمه شعب فلسطين وكانت تعلن هذه الكلمة وتقول إننا أتينا إلى ارض بلا شعب وكانت تقول إنني انزعج من عدد الأطفال الفلسطينيين الذين يولدون في فلسطين وهذه تختلف عن تصريحات أخرى سمعناها بوجود الشعب الفلسطيني ولكن عليه أن يجد مستقبله تحت راية الملك حسين ومع المملكة الأردنية.

إنهم بذلك يحاولون أن يفرضوا مستقبل شعبنا على طريقتهم الخاصة ولكن لا استطيع أن أنسى ما صرح به موشيه دايان قبل استقالته بهذا التصريح البربري الخطير الذي قال فيه ليس للفلسطينيين لدينا إلا الموت أو التصريح الآخر الذي قاله زميل له في الحكومة ولا بد من أن نتذكر هذه التصريحات التي صرح بها رابين عندما جاء بعد توليه الوزارة إلى الاشتراك في مؤتمر الاشتراكية الدولية الذي قال فيه ليس للفلسطينيين مكان في هذه المنطقة ولا ننسى قرار مجلس الوزراء والتي تدل على مدى التعصب والحقد اللذين يسيطران على العصبة الحاكمة في إسرائيل تجاه شعبنا.

في المقابل نحن رفعنا شعاراً حضارياً أننا لسنا ضد اليهود إنما ضد الفكرة الصهيونية وأننا مستعدون أن نعيش في مساواة وعدل وإخاء مسلمين ومسيحيين ويهود في دولة ديمقراطية علمانية.

أنا لا زلت اعتقد أن هناك في إسرائيل في العصبة الحاكمة من لا يفكر إلا في الحرب الخامسة ليس هذا فقط بل إعلانه تشكيل كتائب حزيران يونيو التي وضعت بأمرة رئيس الوزراء نفسه من خلال مستشاره في الشؤون الفلسطينية هركابي مدير المخابرات السابق هدفها القضاء على الفلسطينيين وقياداتهم.

ما ذكرته عن تجاهل إن قرارات مجلس الوزراء الأخير يثبت بشكل قاطع على أن هذه العقلية لن تتغير لأنها تتجاهل صلب المشكلة الفلسطينية ضد هذا الشعب.

س3- الكل يتحدث عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني أو الحقوق المشروعة إلا انه من النادر أن تجد أحدا بما في ذلك الحكومات العربية مستعدة لتحديد هذه الحقوق كيف تحدد أنت هذه الحقوق في ضوء الحقائق الراهنة لعام 1974؟

ج- احكم ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص أن من حق الشعب أن يقرر مصيره بنفسه وعلى أرضه وفق الأسس الإنسانية والاجتماعية والحضارية.

س4- كيف يمكنكم أن تصفوا الدعم الذي تتلقاه القضية الفلسطينية من قبل الحكومات العربية ألا تخشون في حال حدوث تناقض أو تصادم بين مصالح هذه الحكومات وبين طموحات الشعب الفلسطيني وأمانيه أن تتخلى هذه الحكومات عنكم؟

ج- أولا يجب أن يفهم الرأي العام العالمي أن العلاقات بيننا وبين امتنا العربية هي علاقات أصيلة لأننا جزء من هذه الأمة العربية ونحن مرتبطون بماضيها وحاضرها ومستقبلها بانتصارها وهزيمتها بتقدمها وتأخرها ولسنا شعبا مستوردا على المنطقة.

تحدث بين الحين والآخر اختلافات وجهات النظر وهذه سنة الحياة وسنة النضال وصبغة النضال ولكننا حريصون دائماً أن تحل جميع مشاكلنا من خلال الزاوية الأخوية ومن خلال الروابط العريقة التي تربطنا بأمتنا العربية ومهم جدا أن نؤكدها إننا جميعا محكومين بإرادة امتنا العربية التي هي صاحبة الكلمة الأخيرة ننتمي جميعا إليها.

س5- كيف استطاع الفلسطينيون أن يحافظوا على شخصيتهم وهويتهم الوطنية خلال 26 عاما من العذاب واليأس وما هي العوامل التي تجعلهم مشدودين بصورة كلية إلى ارض لم يتسن للكثيرين منهم أن يروها بأعينهم؟

ج- أولا إنها المعجزة الفلسطينية ثانيا إنها ليست بالنسبة لنا مشكلة حددوا نظام الحكم إنها مشكلة الوطن.

الحجاج المسيحيين والحجاج المسلمون يأتون من أقاصي الأرض إلى هذه البقعة نحن أحفاد هذا المسيح في هذه الأرض إننا أكثر تعلقا من هذا الحاج الذي يأتي من أقاصي الدنيا.

س6- في ضوء ما حدث من تنازلات في الجلسة الأخيرة للمجلس الوطني في القاهرة كيف تقيم العلاقات بين منظمات المقاومة؟ لقد واجهتكم بعض المصاعب الناتجة عن انقسامات داخل صفوفكم هل في مقدوركم تجنب هذه المصاعب في المستقبل وخاصة فيما لو اشتركتم في خضم المفاوضات الصعب في جنيف على الأرجح؟

ج- ما حدث في المجلس الوطني لم يكن  تنازلات إنما برنامج سياسي مرحلي لمواجهة التغيرات التي حدثت بعد حرب أكتوبر تشرين الأول عام 1973 نعم هناك صعوبات في داخل الساحة الفلسطينية لأننا لسنا في نزهة ولكن نحن في ثورة فيها اجتهادات مختلفة ونحن حريصون على تنمية أروع أوجه الديمقراطية الثورية في المناقشات وتبادل الأفكار والتجربة الفلسطينية في هذا المجال تجربة رائدة تدل على الرقي الحضاري لهذا الشعب العنيد المناضل.

س7- كيف تنظر بصورة عامة إلى منجزات ومكاسب المقاومة من جهة وخسارتها وفشلها من جهة أخرى خلال السنوات الماضية؟

ج- تتهم منظمة التحرير الفلسطينية الآن بأنها تمر في اضعف مراحل نضالها ولكن منظمة التحرير الفلسطينية تمر الآن في أقوى مراحل نضالها دلالة القوة فلسطينيا عربيا ودوليا مؤتمر برلين مؤتمر القمة العربي المؤتمر الإسلامي في لاهور عدم الانحياز القمة الإفريقية زيارة الوفد الفلسطيني إلى موسكو والدول الاشتراكية خطوة واسعة في التأييد العالمي.

س8- كيف تنظرون إلى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط؟ هل حدثت أية تغييرات مشجعة؟ هل لا زلت مقتنعا كما قلت في السابق بأن سياسة الولايات المتحدة تحددها الضغوط الإسرائيلية وبأن هدف هذه السياسة كما ذكرت سابقا هو تصفية القضية الفلسطينية؟

ج- أنا لا زلت مقتنعا بأن سياسة الولايات المتحدة الأميركية تحددها الضغوط الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني المحادثات الجارية الآن بين الملك حسين وزيد الرفاعي ويغئال آلون في أميركا حول إصرارهم على إرجاع الحكم الأردني للضفة الغربية من خلال تمثيلية فك الارتباط على الجبهة الأردنية لحسين الذي لم يحارب في أكتوبر تشرين الأول 73 وقد قام فك الارتباط عندما حارب النظام الأردني الثورة في أيلول سبتمبر عام 1970 وخسرنا فيها 25 ألف شهيد وجريح ماذا تعني هذه غير أن هذه عدوان على حق تقرير مصيرنا لا زالوا يريدون الحديث عنا ولا يريدون في الحديث معنا.

نحن نتألم ونحن نقرأ النقاط الـ14 التي كتبها ويلسون وكيف تغتال هذه النقاط التي فرح بها شعبنا لحظة من لحظات نضاله لا تنسى إننا نقتل مع أطفالنا ونسائنا وشيوخنا بالأسلحة الأميركية وبالطائرات والقنابل والنابالم الأميركية ويدفع هذا المواطن البسيط في الولايات المتحدة ثمن ذلك دون أن يدري لقد وجدنا تغييرات خلال تصريحات بعض الشرفاء والأحرار في الولايات المتحدة مثل فولبرايت وبعض الصحف والمجلات بين حين وآخر وبعض الجماعات السينمائية وبعض الطلاب أملي كبير أن شعب جورج واشنطن إذا فهم الحقائق على حقيقتها لا بد إلا أن يقف مع شعبنا والعقدة هنا إن وسائل الإعلام والدعاية تضلل كثيرا من الشعب نحن دفعنا وما زلنا ندفع الثمن الغالي من دماء شعبنا إلى أن يصل صوت الحق إلى إسماع الشعب الأميركي.

س9- هل هناك اتصالات بينكم وبين مسؤولين أميركيين؟

ج- منظمة التحرير الفلسطينية لها مندوب في الأمم المتحدة وتفضلوا اتصلوا لنا معتمدين في معظم بلدان العالم نحن لسنا عصابة سرية وأي اتصالات لصالح شعبنا نحن نرحب بها.

س10- كيف ترون علاقاتكم مع الاتحاد السوفياتي؟

ج- علاقاتنا مع الاتحاد السوفياتي قوية ورفاقية ومتينة ونحن حريصون على تقويتها أكثر فأكثر من خلال الدعم الذي نجده من أصدقائنا السوفيات لصالح شعبنا ولصالح امتنا .

س11- ما هي إمكانية المصالحة بين المقاومة والأردن بعد الحقائق المؤلمة المتعلقة بعام 1970 وما بعده؟

ج- إن ذلك مرهون بشروط منها الاعتراف بالكيان الفلسطيني الاعتراف بالقمة العربية والإسلامية التي نصت على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ثم حق العمل من الأردن.

س12- ما هو في رأيكم مقدار الموضوعية أو الخيال المتعلق بحلم إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية؟

هل تستطيع أن تتخيل العرب واليهود يعيشون جنبا إلى جنب كجيران مسالمين بعد سنوات طويلة من سفك الدماء والمرارة وانعدام الثقة ؟ وكم سنة يجب أن تنقضي قبل قيام مثل هذه الدولة؟

ج- لا تنسى إننا ساميون مع أننا لا نؤمن بها لأننا لا نؤمن بالعنصرية عشنا وإياهم آلاف السنين ولما كانت محاكم التفتيش في أوروبا نحن فتحنا لهم صدورنا وبيوتنا لما اضطهدتهم النازية كانت مشاعرنا معهم نحن موقنون أن يعيش اليهود والمسيحيون والمسلمون في الدولة الديمقراطية كما عشنا على مدى آلاف السنين بعدل ومساواة هذا ما نناضل في سبيله.

هذا شعارنا وبإخلاص أليس هذا شعاراً حضارياً يستحق أن يناضل من اجله الإنسان وان يساعدنا العالم من اجل إنهاء أخطر بؤر الصراع في العالم.


(وفا، بيروت، 7/10/1974، ص1)