خطاب ياسر عرفات في احتفال الأمم المتحدة باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

2016-01-14


صاحب السعادة السفير بابا لويس فول

رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف

صاحب السعادة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

صاحب السعادة السيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة

صاحب السعادة رئيس مجلس الأمن للأمم المتحدة

نحييكم جميعا ونحن نحتفل اليوم، ومعنا كل محبي وأنصار الحرية والعدالة والسلام والإنسانية في العالم، باليوم العالمي للتضامن مع شعبنا الفلسطيني الذي أقر في 29-نوفمبر-1977م، من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبر يوماً عالمياً للتضامن مع النضال العادل لشعبنا، تعبيراً وتجسيداً لعدالة قضية ونضال شعبنا التحرري، وحقه المقدس والمشروع في نيل الحرية والاستقلال، ورفضاً للظلم والقهر والمعاناة التي يمثلها الاحتلال الإسرائيلي، والذي مازال يحرم شعبنا من استعادة وممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، التي أكدتها الشرعية الدولية في قراراتها العديدة.

ويأتي الاحتفال بهذا اليوم التضامني هذا العام، والشعب الفلسطيني يعيش ظروفاً صعبة ومأساوية غير مسبوقة. فمنذ [28/9/2000] (26 شهرا)، أعادت إسرائيل احتلال معظم أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، إلى جانب إلغاء الاتفاقات وعدم تنفيذ التفاهمات، وأصبحت مناطقنا باندوستانات إذلالية منفصلة عن بعضها البعض، وبناء السور الواقي الذي صادر من منطقة واحدة [83000] دونم من أخصب مناطقنا الزراعية، بالإضافة لحائط برلين الجديد حول القدس، ومنع الفلسطينيين في الضفة وغزة من الذهاب للصلاة في أماكنهم المقدسة المسيحية والإسلامية. واستخدمت، وما تزال تستخدم، مختلف أسلحة ترسانتها، بما فيها المحرمة دولياً، في محاولة لقهر إرادة شعبنا، ولمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتدمير ونسف وتخريب البنية التحتية الكاملة لشعبنا في مدننا وقرانا ومخيماتنا، ومناطقنا كلها، وتحويلها إلى كانتونات محاصرة تماماً، وتصعيد عسكري بكل أنواع الأسلحة والدبابات والطائرات والمجنزرات و البوارج براً وجواً وبحراً. والهدف تدمير جميع فرص التوصل إلى السلام (سلام الشجعان) الذي وقعناه مع شريكنا الراحل يتسحاق رابين، الذي اغتالته هذه القوى المتطرفة في إسرائيل.

إن هذا الاحتلال الذي تخضع له مدننا وقرانا ومخيماتنا، والمترافق بعمليات التوغل والقصف والاغتيالات والتدمير والهدم، وارتكاب المذابح بحق المدنيين ومجزرة جنين ورفح ونابلس وطولكرم وخانيونس والخليل وغزة وقلقيلية، أدى إلى إحداث دمار شامل للبنية التحتية التي ساعدتنا دول العالم، لإعادة بنائها خلال السنوات الماضية، وإلى شل مختلف مناحي الحياة عبر إلحاق الدمار بالمرافق المختلفة الشعبية والرسمية، وتعطيل عمل مؤسسات السلطة المدنية والأمنية والحياتية، بما فيها الطبية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية وغيرها، وآخرها إعادة الاحتلال والسيطرة على بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور.

إن هذا الاحتلال الجديد خلق، كما أشارت لذلك مختلف الهيئات الدولية، وضعاً إنسانياً بالغ الخطورة نتيجة تدمير الاقتصاد الفلسطيني، وزيادة معدلات الفقر والبطالة إلى نسب مرتفعة خطرة، وصلت في قطاع غزة إلى [70%] من السكان، وإلى حوالي [55%] من السكان في الضفة الغربية، وخاصة استمرار إسرائيل بعدم دفع أموالنا التي تحتجزها من ضرائبنا منذ أكثر من [27] شهراً، ووصل الأمر إلى حد تعطيل عمل المؤسسات الإنسانية الدولية، وإطلاق النار على أفرادها، والتي ذهب ضحيتها أحد العاملين في وكالة الغوث الدولية وإصابة عاملة أخرى في الأسبوع الماضي، وكذلك عدداً آخر من الصحفيين وممثلي الهيئات الطبية والدولية.

إن هذه الحرب المسعورة المستمرة منذ أكثر من سنتين، يجب أن تدفع المجتمع الدولي للتحرك إلى ما هو أبعد من بيانات الشجب والأسف والتنديد، وللانتقال إلى مرحلة ممارسة الضغط الفعال على الحكومة الإسرائيلية، لوقف عدوانها وإنهاء احتلالها، وللعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة، التي يجب أن تحترم وتطبق في كل مكان في العالم بشكل متماثل. ومن المؤسف أن إصرار الحكومة الإسرائيلية على إفشال جميع جهود التهدئة وعرقلة وإعادة إطلاق عملية السلام، لم يقابل بما يستحق من موقف حازم لفرض احترام قرارات الشرعية الدولية التي لم تحترمها إسرائيل على الإطلاق مما يستدعي وجود ضمانات لتنفيذ الاتفاقات.

إن المعادلة لحل وإنهاء الصراع أصبحت واضحة للجميع، خاصة للأطراف والقوى المعنية بنجاح السلام في منطقتنا، فتحقيق وبناء سلام الشجعان في منطقتنا، وإيجاد حل نهائي عادل ومقبول للصراع الدائر فيها، لإنهاء الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي (وهو غير الشرعي بمختلف أوجهه ومعاييره) في الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس الشريف (الشرقية)، وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً وفق قرارات الشرعية الدولية، وعندها يمكن فقط أن يتحقق الأمن والاستقرار لكافة الشعوب والدول، والعيش في إطار من حسن الجوار والاحترام المتبادل، وأن يتمكن شعبنا الفلسطيني من تجسيد استقلاله وسيادته الوطنية وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على أرض وطنه فلسطين، طبقاً لقرارات الشرعية الدولية وآخرها القرار 1435، والذي تتهرب إسرائيل من تنفيذه، والاتفاقيات الموقعة، وخاصةً جهود واقتراحات اللجنة الرباعية (أمريكا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة)، جنباً إلى جنب مع مبادرة السلام التي أعلنها سمو ولي العهد السعودي الأمير عبد الله، وتبنتها القمة العربية بالإجماع في مؤتمر القمة في بيروت، وجهود الصين واليابان ودول عدم الانحياز، ودول أمريكا اللاتينية والأفريقية والإسلامية.

إننا إذ نجدد تأكيد تمسكنا بطريق السلام كخيار استراتيجي، وتمسكنا نحن شعب فلسطين مع جميع شعوب أمتنا العربية بما صدر عن مؤتمرات القمم العربية، وآخرها قرارات قمة بيروت في آذار – مارس الماضي، وما شكلته هذه القرارات من فتح لآفاق مستقبل من السلام والتعايش وحسن الجوار بين جميع دول منطقتنا، منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك دولة فلسطين المستقلة، حيث أصبحت قرارات القمة العربية هذه، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن الأخيرة الصادرة هذا العام، وما سبقها من قرارات تشكل مع التوجهات والرؤية الأمريكية، كما عبر عنها خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في حزيران الماضي، وكذلك المبادرة الأوروبية، وما لحق ذلك من تصورات إيجابية وعملية عبر ما صدر عن اللجنة الرباعية، كل هذا يشكل باباً واسعاً، ويفتح أفقاً لسلام شامل وعادل ودائم في منطقتنا، يتوجب على إسرائيل التعامل معها بجدية وإيجابية، على غرار ما تعاملت وتتعامل معها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. ومع إصرارنا على نيل حقوقنا الوطنية غير القابلة للتصرف، فإننا ندعو المجتمع الدولي للتدخل الفوري لوقف العدوان والاحتلال الإسرائيلي، وتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من ممارسة أعمالها وواجباتها ومسؤولياتها، وللاستئناف الفوري للمفاوضات من أجل تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، والانطلاق نحو تحقيق اتفاق سلام نهائي، ينفذ قرارات الشرعية الدولية ويتطلب مراقبين دوليين، فالسلام، والسلام وحده هو الكفيل بتوفير الأمن لجميع شعوب المنطقة ودولها ولفتح آفاق الازدهار والاستقرار لها، فالواقع يثبت كل يوم أن مفتاح السلام والاستقرار في المنطقة يوجد في فلسطين، أرض السلام والأرض المقدسة للمؤمنين في العالم.

وفي هذا اليوم، فإننا، وإذ نوجه تقديرنا لكل الأشقاء والأصدقاء والأحرار والشرفاء في العالم والمناضلين من أجل الحرية، الذين لم يفتر تضامنهم لحظة مع قضية شعبنا، فإننا ندعوهم لتعزيز هذا التضامن، الأمر الذي يستدعي سرعة عقد المؤتمر الدولي لتسريع طي صفحة آخر احتلال في العالم، والمتمثل في الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا الفلسطينية، ولتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حريته واستقلاله وبناء دولته وحماية مقدساته المسيحية والإسلامية.

وفي الختام، نحن وشعبنا من قلب الحصار الخانق والتصعيد العسكري الغاشم، نتوجه بالشكر إلى سعادة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة لجهوده وعمله المتواصل من أجل حقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف، وكذلك نشكر شكراً جزيلاً رئيس وأعضاء اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة، وعلى جهودهم وعملهم الصادق والمتواصل والشجاع، لحشد التضامن والدعم الدولي لتمكين شعبنا من تجسيد وممارسة حقوقه الوطنية على أرض وطنه فلسطين، وتحقيق إقامة السلام العادل والدائم والشامل، سلام الشجعان، الذي وقعته مع شريكنا الراحل اسحق رابين في الأرض المقدسة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي المنطقة كلها في الشرق الأوسط، وقد دفع شريكنا الراحل رابين حياته من هذه العناصر المتطرفة في إسرائيل ثمناً لهذا السلام، كما ونشكر أيضاً كل الأحرار والأصدقاء والمخلصين الذين يتضامنون معنا ومع النضال العادل لشعبنا، ويدعمون مسيرتنا من أجل تحقيق السلام العادل ونيل شعبنا لحريته واستقلاله وسيادته.

والسلام عليكم