خطاب ياسر عرفات أمام المجلس الثوري لحركة فتح

2016-01-14

الأخ حمدان عاشور أمين سر المجلس الثوري 

الأخوات والاخوة أعضاء المجلس

بسم الله الرحمن الرحيم 
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)

يجتمع المجلس الثوري لحركتنا فتح اليوم وحركتكم الرائدة حركة فتح وحركة شعبنا الفلسطيني الصامد المرابط والقابض على الجمر وكل قوى وفصائل الشعب الفلسطيني، نواجه جميعاً تحديات ضخمة وغير مسبوقة في محاولة من حكومة إسرائيل لإجهاض كفاحنا ونضالنا الوطني التحرري وعبثاً يفعلون ولمنع شعبنا من نيل استقلاله الوطني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف في أرض فلسطين الحرة المباركة، ولا بد لهذا الاجتماع الهام والأساسي لمجلسنا الثوري أن يرسم البرنامج وأن يحدد الطريق السليم للوصول إلى هدفنا في الاستقلال والحرية. 

واسمحوا لي بحكم موقعي ومسؤولياتي في حركتنا فتح وفي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا الفلسطيني وفي رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية وكرئيس لدولة فلسطين، أن أضع أمامكم القضايا والمواقف التي تتطلب من مجلسنا الثوري الحوار المعمق والقرارات الصائبة سياسياً وتنظيمياً وأمنياً ووطنياً وقومياً، لتعزيز قدرة فتح وقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة تحديات الاحتلال والاستيطان وجدار الضم والتوسع والحصار الظالم والعقوبات الجماعية المفروضة على الشعب الفلسطيني وقيادته وعلى فتح التي قال عنها الرئيس البطل المرحوم عبد الناصر بعد معركة الكرامة وجدت لتبقى … ووجدت لتنتصر. 

أولاً: على الصعيد السياسي وعملية السلام. 
إن حركة فتح قد شقت الطريق أمام الحل السياسي بيننا وبين الإسرائيليين وسارت دون تردد في عملية السلام الشاقة والطويلة وانطلاقاً من قرارات المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1988 في الجزائر، ولم تتردد حركتكم فتح في اتخاذ القرارات المصيرية التي عززت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد على الصعيد الوطني والعربي والدولي ولا أخفيكم أيتها الأخوات أيها الإخوة، أن مسيرة السلام لم تكن سهلة ولم تكن بسيطة، بل كانت في غاية الصعوبة والتعقيد خاصة بعد اغتيال شريكنا الراحل يتسحاق رابين على يد المتطرفين الإسرائيليين، وفي الواقع دخلت عملية السلام في نفق مظلم وممتد بعد ذلك ولكننا حافظنا على رؤيتنا الصحيحة للسلام ليخدم شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والمنطقة كلها على أساس المبادرة السعودية التي تبنتها القمة العربية في بيروت، فالسلام مصلحة أكيدة للشعب الفلسطيني كما الأمن والسلام مصلحة أكيدة للشعب الإسرائيلي وخاصة لقوى السلام (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، ورأيتم كيف في لاهاي حاخامات وقوى سلام وقفت وسارت في القدس كذلك وفي غيرها جنباً إلى جنب معكم ضد ما يحدث ضد الشعب الفلسطيني. وللمنطقة كلها طبقاً لقرارات الشرعية الدولية وخاصة 242 ، 338 ، 425 ، 1397، 1515 ،194 وغيرها، إن موقفنا السياسي ينبع من مصلحة شعبنا ومن إدراك عميق للمعطيات والمتغيرات التي تؤثر بدورها في وضعنا الفلسطيني ووضعنا العربي ووضع العالم العربي كله وفي عملية السلام في المنطقة كلها. ومن هنا تمسكنا ونعلن اليوم أمام مجلسنا الثوري أن حركة فتح تتمسك بخيار السلام العادل والدائم والشامل وبالمفاوضات وبكافة قرارات الشرعية الدولية وآخرها خارطة الطريق التي تمثل اليوم الشرعية الدولية بمختلف قواها الفاعلة، كما وافق عليها طبقاً للمبادرة الروسية الآن في مجلس الأمن الدولي. 

نعم، هناك أصوات تقول عكس ما نقول لكن تجربتنا النضالية والتاريخية الطويلة تلزمنا ألا نكون محكومين بردود الفعل التي تصدر نتيجة الجرائم الإسرائيلية اليومية والحصار والقتل والتدمير لبنيتنا التحتية كلها وحجز أموالنا الجمركية والضرائبية منذ 42 شهراً الماضية وإلى جانب 28 مليار شيكل حقوق عمالنا. وهذه الجرائم التي ترتكبها حكومة إسرائيل الحالية والتي كانت قبلها كما تعرفون الاتفاق السري بين باراك وشارون بما فيها هذا الجدار العنصري الذي يلتهم 58% من أرضنا وفي زيادة الآن من الحدود المصرية الفلسطينية وشمال منطقة بيت لاهيا، ويعزل حوله القدس عن بيت لحم وعن الضفة كلها بجانب الاستيطان الخطر ضد شعبنا الفلسطيني الصامد المرابط، إن علينا أن نحسن رؤية الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي وبالتالي نعلن للعالم أن خيار السلام هو خيار شعبنا الفلسطيني وإننا ملتزمون بخريطة الطريق وندعو إلى تطبيقها بحذافيرها كما تعرفون لا زالت إسرائيل وآخرها في خطاب هرتسليا من شارون 14 تحفظاً على خارطة الطريق، وبشكل متزامن ومتوازن بما يحقق هدفنا الوطني في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وإيجاد الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار 194 ، وإطلاق سراح أسرانا ومعتقلينا الأبطال من السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وهنا نؤكد أن الأمن ليس فقط مطلباً إسرائيلياً بل هو مطلب فلسطيني وعربي ودولي وإنني أدعو الجانب الإسرائيلي واللجنة الرباعية بسرعة لإرسال المراقبين أو القوات الدولية للإشراف الدولي على الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط 28 أيلول 2000 كنقطة بداية، وإن أجهزتنا الأمنية مستعدة لتسلم مسؤولياتها كاملة والالتزام الدقيق بالاتفاقات التي سبق ووقعنا عليها مع الجانب الإسرائيلي وبالحضور الدولي والرباعي والعربي. 

وفي هذا السياق لقد أعلنا دائماً أننا ضد الأعمال التي تستهدف المدنيين سواء كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين وهنا أؤكد رفضنا وإدانتنا لكل العمليات التي استهدفت المدنيين الإسرائيليين. 

ثانياً: على صعيد الوحدة الوطنية.
إن حركة فتح قد تمسكت على الدوام بالوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذه الوحدة الوطنية أثبتت على الدوام أنها أقوى سلاح بيد شعبنا لمواجهة مخططات العدوان والاحتلال الإسرائيلي، واليوم صار لزاماً علينا تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتوسيع إطارها ليشمل كافة القوى الفلسطينية في الوطن وفي الشتات كما فعلنا دائماً في الماضي ونفعله الآن، ومن هنا أوجه الدعوة لكل القوى للدخول في منظمة التحرير الفلسطينية، لأن بقاء أية قوة خارج المنظمة إنما يشتت الجهد ويعطي الذريعة لكل من في نفسه مرض ليتذرع بعدم وجود الوحدة أو ليصطاد في الماء العكر وأنتم تعرفون ماذا أعني, إن حركة فتح تريد وحدة وطنية شاملة ولا اعتراض على أية قوة فلسطينية ولا نضع فيتو على أحد, ولكننا لا نقبل بالتشرذم, والاجتهادات الخاصة والممارسات الخاطئة والمتداخلة هنا وهناك التي لا تخدم قضيتنا. 

وهنا أدعو إلى تشكيل لجنة من حركة فتح للاتصال الفوري والعاجل بكل القوى الفلسطينية لتوحيد الصف والهدف والممارسة كما تعرفون فإنني أصر منذ فترة طويلة على اجتماع مشترك للجنة التنفيذية ولكل القوى الفلسطينية ونرحب بكل قوة فلسطينية لا زالت خارج هذا الإطار، فنحن في سفينة واحدة وليس من حق أحد سواء نحن أو غيرنا أن يوجه السفينة في غير اتجاه المصلحة الوطنية والقومية لشعبنا ولأمتنا العربية في هذا الوقت العصيب الذي يواجه منطقتنا كلها, إن الإجماع الوطني يتركز اليوم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أرضنا لهذا "جيش احتلال والمستوطنين" ولإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف, في الضفة وغزة والقدس الشريف تطبيقاً لقرارات المجلسين الوطني والمركزي ووثيقة إعلان الاستقلال الوطني. أدعو الجميع إلى الوحدة والتلاحم ورص الصفوف فمصلحة شعبنا فوق كل الاعتبارات الحركية والحزبية و التنظيمية مهما كانت أهميتها وصحتها. 

ثالثاً: على الصعيد الداخلي والتنظيمي في حركتنا فتح.
إن حركتنا فتح بحاجة إلى تجديد مستمر وكامل على كافة المستويات, كما هو عادتنا وطرقنا التي سرنا بها منذ البداية وحتى الآن, وبعد هذا الكفاح الطويل الذي نخوضه سوياً من أجل أن ينتصر الحق الفلسطيني وتنتهي إلى الأبد معاناة شعبنا. 

أريد أن أقول لكم فقط من الذاكرة كان المفروض أن ننطلق في عام 64 ولكن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس، أخذنا القرار فوراً تأجيل الانطلاقة العسكرية أمام هذا الظلم التاريخي الذي يواجهنا من هذا الاحتلال العنصري الظالم ومع ذلك أخذنا القرار بالتأجيل هذا فقط مثل من الأمثلة لا أكثر. 

إن حركة فتح عبر تاريخها الطويل تمثل ظاهرة وطنية رائعة وهي من أعرق وأطول وأصلب حركات التحرر في العالم أجمع وليس من قبيل الصدف في 73 تسلمنا علم التحرير الثوري العالمي في برلين إذا لا زلتم تذكرون من فيتنام، ونحن في رباط إلى يوم الدين، ولقد استطاعت أن تقود النضال وتحقق الأهداف في أصعب الظروف وأحلكها, وإن تضامن ووحدة فتح وصلابتها هي أهم ما نحرص عليه في هذه الظروف حيث تشتد الحاجة إلى التجديد والتغيير وضخ دماء جديده أصيلة في القيادة من اللجنة المركزية وحتى أصغر خلية تنظيمية أو عسكرية. 

واسمحوا لي هنا أن أكون صادقاً وواضحاً معكم في هذه الأمور وأقول من واقع تجربة فتح عبر عشرات السنين, حافظوا على الوحدة بين صفوفكم، وإن اختلفت الآراء والاجتهادات وحافظوا على كوادركم ومناضليكم, رغم تعدد الاجتهادات وتباين الآراء, فليس بين أبناء فتح تناقضات خطيرة والحمد لله يصعب حلها, والتعارضات التي تحصل هنا وهناك أمور طبيعية في كل الثورات في العالم بل في كل الدول والشعوب من المفروض علينا جميعاً أن نجد لها الحل دائماًَ وباستمرار, وفي كل الظروف والأوقات والمواقع والمسؤوليات, وكلكم أبناء فتح وكلكم مناضلون أشداء من أجل أسمى وأنبل وأقدس قضية لشعبكم ولأمتكم ولجميع الأحرار والشرفاء في العالم وهي استعادة أرضه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف, وحماية مقدساتنا المسيحية والإسلامية في هذه الأرض المباركة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومهد ورفعة سيدنا المسيح عليه السلام, وحول كافة هذه القضايا والتنظيمية منها وتجديد المواقع والأطر فإنني لا أضع أمامكم حلاً جاهزاً بل أترك لكم وأنتم كمجلس ثوري أعلى هيئة في غياب المؤتمر العام, أن تشكلوا لجنة عمل تعمل مع اللجنة المركزية تقدم الدراسات والقرارات التي يقبلها الجميع والتي تحمي وحدتنا وتعززها وأرى أن علينا منذ الآن أن نشكل لجنة تحضيرية للمؤتمر العام السادس لحركتكم فتح والتي عليها مسؤوليات كبيره ولنضع لعقد المؤتمر سقفاً زمنياً معروف أن هذا ليس سهلاً ونأمل أن تكون الظروف مواتية لعقده في أسرع ما يمكن. 

وحتى تقدم فتح إنجازها الديموقراطي الأهم للشعب الفلسطيني وهي ديموقراطية حركة فتح، لا بد أن تعلموا انه حتى تنجح الديموقراطية الفلسطينية والتعددية السياسية، فإن على فتح أن تشق الطريق الديموقراطي باعتماد بنائها على الأساس الديمقراطي وليس على أي أساس أخر، إن تجربتنا التنظيمية بحاجة دائمة إلى مراجعة شاملة كما تعودنا في جميع الظروف والأوقات الحرجة والصعبة التي مررنا بها ولا تزال بما في ذلك أهمية ضم اخوة لمجلسنا الثوري هذا والمزيد المزيد من توضيح برنامجنا السياسي للقواعد والكوادر ولجماهير الشعب الفلسطيني ولأمتنا العربية ولجميع الأصدقاء والشرفاء في العالم أجمع. 
قد أكون أيتها الأخوات أيها الاخوة قد أغفلت كثيراً من بعض القضايا التي تهمكم وتهم الشعب الفلسطيني، وأرحب بكل ما يمكن أن يقدم من اقتراحات من هنا أو هناك، ولكنني أختم كلمتي هذه بهذا النداء للأسرة الدولية والاخوة العرب وللجانب الإسرائيلي على السواء، نحن مع السلام سلام الشجعان ومع الشرعية الدولية وقراراتها ومع خريطة الطريق، وندعو حكومة إسرائيل إلى وقف عدوانها وتصعيداتها العسكرية الإجرامية المتواصلة وحصارها وجرائمها ضد شعبنا وضد مقدساتنا والموافقة على وقف إطلاق النار دون قيد أو شرط ونعلن التزامنا الكامل بالأمن وباتفاقات الأمن بيننا وبين الإسرائيليين على أساس التبادل والتزامن في تنفيذ الاتفاقات، أشكركم وأدعو لمجلسنا الثوري هذا بالتوفيق في هذه الظروف المصيرية لشعبنا ولأمتنا ولكل العالم.

بسم الله الرحمن الرحيم 
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)
صدق الله العظيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته