نظمت مؤسسة ياسر عرفات في مكتبها بالقاهرة، ندوة فكرية بعنوان "مصر وفلسطين.. العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري" اليوم الإثنين 2026/07/13، بمشاركة النائب والمفكر المصري د. سمير غطاس، والسفير د. بركات الفرا، واللواء الركن عرابي كلوب مدير مكتب المؤسسة في مصر، وحضور جمع من المهتمين.
وأكد المشاركون في الندوة أن العلاقات بين الشعبين المصري والفلسطيني تمثل إحدى أعمق العلاقات العربية وأكثرها رسوخًا، باعتبارها امتدادًا لتاريخ طويل من النضال المشترك، والروابط الإنسانية والاجتماعية والثقافية والدينية، التي تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة، وشكلت نموذجًا لوحدة المصير العربي في مواجهة التحديات.
وتناول المجتمعون أبعاد العلاقة التاريخية بين الشعبين من زوايا تاريخية وسياسية ووطنية، مؤكدين أن مصر كانت ولا تزال العمق الاستراتيجي لفلسطين، وأن الشعب المصري ظل حاضرًا في مختلف مراحل النضال الفلسطيني، رسميًا وشعبيًا.
وفي مستهل الندوة، أكد اللواء ركن عرابي كلوب أن العلاقات الفلسطينية المصرية لا يمكن اختزالها في إطار العلاقات الدبلوماسية بين دولتين، بل هي علاقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وتشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل الحضاري والإنساني، حتى أصبحت جزءًا من الهوية الوطنية للشعبين.
وأوضح أن فلسطين كانت على الدوام الامتداد الطبيعي والأمني لمصر، فيما شكلت مصر العمق الاستراتيجي والسند التاريخي للشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن قطاع غزة ظل البوابة الشرقية لمصر، بينما كانت سيناء معبرًا للتواصل بين الشعبين، الأمر الذي أسهم في نشوء روابط اجتماعية وعائلية وثقافية واسعة، بقيت أقوى من كل الحدود السياسية.
وأشار كلوب إلى أن آلاف العائلات الفلسطينية ترتبط بعلاقات نسب ومصاهرة مع عائلات مصرية، وأن العادات والتقاليد واللهجة والعلاقات الاجتماعية تعكس عمق هذا التداخل التاريخي، مؤكدًا أن الحدود التي رسمتها السياسة لم تستطع يومًا أن تفصل بين الشعبين.
كما تناول البعد الديني للعلاقة، موضحًا أن المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة يحتلان مكانة راسخة في وجدان المصريين، وأن الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية كان لهما دور تاريخي في الدفاع عن القضية الفلسطينية وترسيخ مكانتها في الوعي المصري، مستذكرًا الموقف الوطني للبابا شنودة الثالث الذي رفض زيارة القدس قبل تحريرها.
واستعرض اللواء كلوب محطات امتزاج الدم المصري والفلسطيني في ميادين القتال منذ حرب عام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي عام 1956، وحرب حزيران 1967، وصولًا إلى حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، مؤكدًا أن الشهداء المصريين والفلسطينيين كتبوا معًا صفحات مشرقة في تاريخ الأمة العربية.
كما أشاد بالدور المصري في احتضان آلاف الطلبة الفلسطينيين، وفتح الكليات العسكرية المصرية أمام الضباط الفلسطينيين، وإرسال البعثات التعليمية إلى قطاع غزة، مؤكدًا أن مصر ساهمت بصورة مباشرة في بناء الكوادر الوطنية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
وثمن كلوب المواقف المصرية خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، مشيدًا بجهود الدولة المصرية في إدخال المساعدات الإنسانية واستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين، وبالموقف الثابت للرئيس عبد الفتاح السيسي الرافض لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، معتبرًا أن هذا الموقف يجسد استمرار الالتزام المصري التاريخي تجاه القضية الفلسطينية.
من جانبه، استعرض السفير د.بركات الفرا أبرز المحطات التاريخية التي شكلت العلاقات الفلسطينية المصرية، مؤكدًا أن جذور هذه العلاقة تعود إلى حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام بين عامي 1831 و1833، والتي أسهمت في استقرار أعداد كبيرة من المصريين في فلسطين، حيث اندمجوا في المجتمع الفلسطيني، وتشكلت عائلات ما تزال تربطها صلات وثيقة بمصر حتى اليوم.
وأوضح أن نكبة عام 1948 مثلت محطة مفصلية، إذ تولت مصر إدارة قطاع غزة، وأدارت مؤسساته المدنية والأمنية، وطبقت القوانين المصرية، فيما عومل الفلسطينيون معاملة المواطنين المصريين في مجالات عديدة، وهو ما عزز الروابط بين الشعبين بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن مصر احتضنت آلاف الطلبة الفلسطينيين، وفتحت أبواب جامعاتها وكلياتها العسكرية أمام أبناء فلسطين، وأسهمت في إعداد أولى الكوادر العسكرية الفلسطينية التي أصبحت لاحقًا نواة القوات المسلحة الفلسطينية، كما لعبت البعثات التعليمية المصرية دورًا مهمًا في تطوير التعليم داخل قطاع غزة قبل عام 1967.
وأكد الفرا أن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين مصر وفلسطين كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من هذه العلاقة، مستعرضًا الروابط التي جمعت أبناء غزة وسيناء والعريش ومحافظة الشرقية، والتي تجلت في حركة التجارة، والمصاهرة، وامتداد القبائل والعائلات على جانبي الحدود.
وتحدث عن تجربته سفيرًا لدولة فلسطين لدى جمهورية مصر العربية، مستعرضًا العديد من المواقف التي عكست حجم التعاون بين المؤسسات المصرية والبعثة الفلسطينية، سواء في معالجة أوضاع الفلسطينيين العالقين، أو تسهيل عبورهم، أو متابعة شؤون الطلبة الفلسطينيين، مؤكدًا أن مصر لم تتخل يومًا عن مسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني، حتى في أصعب الظروف التي مرت بها.
كما أكد الفرا أن العلاقات المصرية الفلسطينية ظلت عبر مختلف المراحل التاريخية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك، مشيرًا إلى أن ما يجمع الشعبين من روابط تاريخية وإنسانية كان دائمًا أقوى من أي متغيرات سياسية، وهو ما أسهم في استمرار الدور المصري المحوري في دعم القضية الفلسطينية، واحتضان الشعب الفلسطيني في مختلف المراحل.
وأشاد الفرا كذلك بالمواقف الوطنية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وعلى رأسها البابا شنودة الثالث والبابا تواضروس الثاني، مؤكدًا أن الكنيسة المصرية كانت شريكًا في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وأن العلاقات بين المسيحيين الفلسطينيين والأقباط في مصر ظلت مثالًا للأخوة والتعايش والتعاون.
بدوره، قدم النائب والمفكر د. سمير غطاس قراءة سياسية وفكرية لمسار العلاقات المصرية الفلسطينية، مستندًا إلى تجربته الممتدة مع القضية الفلسطينية، وعمله إلى جانب عدد من قيادات الثورة الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد"، الذي وصفه بأنه أحد أبرز العقول الاستراتيجية في مسيرة النضال الفلسطيني.
وتحدث غطاس عن عدد من المحطات التي عايشها خلال عمله مع القيادة الفلسطينية، مستعرضًا جوانب من التحركات السياسية والدبلوماسية التي شارك فيها، إلى جانب لقاءاته مع عدد من القادة العرب والدوليين، مؤكدًا أن التنسيق المصري الفلسطيني ظل حاضرًا في مختلف المراحل.
وأشار إلى أن العلاقات الرسمية بين مصر والقيادة الفلسطينية تشهد مستوى عاليًا من التنسيق، إلا أنه دعا إلى إعادة إحياء العلاقات الشعبية والثقافية التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة، مطالبًا بتفعيل دور الأحزاب والنقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني في البلدين، لإعادة بناء جسور التواصل الشعبي التي شكلت أحد أهم عناصر قوة القضية الفلسطينية لعقود طويلة.
وتناول ملف الانقسام الفلسطيني، معتبرًا أنه يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، مؤكدًا أن القاهرة بذلت جهودًا كبيرة في رعاية جولات الحوار الوطني الفلسطيني، وأن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على تلك الجهود للوصول إلى وحدة وطنية حقيقية، باعتبارها المدخل الأساسي لمواجهة المخططات التي تستهدف القضية الفلسطينية.
وشدد غطاس على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، مؤكدًا أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تتم في إطار الشرعية الفلسطينية، وبالتنسيق الكامل مع القيادة الفلسطينية، وبما يحفظ الأمن القومي المصري والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وأكد أن مصر كانت وستظل الدولة العربية الأكثر ارتباطًا بالقضية الفلسطينية، بحكم التاريخ والجغرافيا والدور السياسي، داعيًا إلى استمرار دورها المحوري في دعم الحقوق الفلسطينية، ورعاية جهود المصالحة، والعمل على حشد الدعم العربي والدولي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي ختام الندوة، أجمع المتحدثون على أن العلاقات المصرية الفلسطينية ستظل ركيزة أساسية في الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وأن ما يجمع الشعبين من تاريخ ونضال وروابط إنسانية وثقافية يتجاوز كل المتغيرات السياسية، مؤكدين أن وحدة الصف الفلسطيني، واستمرار الدعم المصري الرسمي والشعبي، يمثلان أساسًا لمواجهة التحديات الراهنة، والحفاظ على القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية.
